الثلاثاء، 28 ديسمبر، 2010

كتيبة خمسة.. "هديهم إذا فيك"!

كتيبة خمسة.. "هديهم إذا فيك"!

بكيبورد علاء الزعتر

يقف في الثلاثين من الشهر الحالي شباب "كتيبة خمسة" على مسرح بيروت في عين المريسة ليقدموا عملا فنيا مفعما بالتحدي . والتجربة الجديدة لأصحاب "أهلا فيك أخوي بالمخيمات"، محاولة لرسم طريق العودة الى الوطن عبر عمل فني مفعم بالأبعاد الفكرية المعبرة عن عمق القضايا والهموم التي يرزح تحت وطئتها الهامش/ المخيم.

"طريق واحد مرسوم"، ألبوم يحمل دعوة لتصحيح الطريق الذي مازال عموم المنفيين يختطونه وينتهجونه طوعاً، طريق الوحدة الفلسطينية وتجاوز الانقسام السياسي والالتفات إلى هموم الناس التي نسيها المنقسمون، بكل بساطة طريق نهايتها فلسطين حتما . اما البداية فاحد الاقبية القريبة من مخيم برج البراجنة حيث عمل شباب "الكتيبة" بكد مع بعض الأصدقاء على بناء استديو خاص يلوذون فيه بعيداً عن جشع شركات الانتاج وشروطها. وجمع مبلغ بسيط من مدخول الشباب الشخصي اضافة لمساهمات من بعض الأصدقاء لتجهيز المكان وإنتاج الألبوم. واستعانوا ببعض حرفيي المخيمات ، فحضر ابو ماهر من صبرا لتثبيت الالواح العازلة للصوت متنازلا عن نصف الأجرة ،"كمساهمة لشباب يعملون من اجل القضية". و رشاد استغنى عن عطلته الأسبوعية مرتين للمساعدة في اعمال الدهان . صاحب هذه الأسطر ساهم في تمديد شبكة الكهرباء، واستغرق العمل وقتا مضاعفا نظرا لاقتصار الأجرة على بضعة فنجانين من القهوة وصل معظمها باردا. اما سبب هذه الخطوة في الاعتماد على الذات: "انتو غنيتوا " وهو عنوان اغنية تتحدث عن شجع شركات الإنتاج، وفي مقطع لـ"مولوتوف" يقول: (بياض، بياض بكل مكان والعقل واحد والقلب فايض والشكل متل ما علمونا إنو إنسان، بياض، بياض بعز النوم بياض بالحمام، بياض بكل أفكارك بياض بالأفلام، مش من أميركا من أوروبا وشو الفرق والبياض موحد لعقل واحد لسلام مبيّض ببياض!).

ومن برج البراجنة تتجه انغام الكتيبة شمالا الى مخيم نهر البارد الذي شهد حربا ضروسا لم يكن لأربعين ألف فلسطيني ناقة فيها ولا جمل، فحمل اسم المخيم عنوان اغنية يرتفع صوت "جزار" في احدى مقاطعها (معركة وجود غير مشروع لجنود دنست وحل الأرض , كان الضرب بالطول وبالعرض,ذخيرة امريكية وصلت عوقتها , قصف تكسير بيوت سرقت اساسات والقعدة بركسات الوضع مزري عم باخود حذري, من حصار والمرقة بتصاريح. الله يعين المرأة يلي ابن عم بيصيح , بركس عم بييسيح,بالشتا جليد ,جسدي منهك مش عارف كيف استريح عم بنازع بس بعدني صامد متلي متل نهر البارد).

من شمال لبنان تنتقل الرحلة جنوبا الى جنوب فلسطين هذه المرة والى قطاع غزة تحديدا . "تشرق صواريخ" اغنية تتحدى الحصار وتدعو لكسره عبر المزيد من الصمود والمقاومة وتقول في إحدى مقاطعها بصوت "أسلوب" ( كل عمرو الشجر بيطلع من بين جذور الاحتلال يلي عم تنبنا,بتصحا بيوم حصار تلاقي أولاد بيلموا بأشلاء جنود. شوهوه وتركوه جوعان. يتوجع وهوي ساكت. تطلع صرختوا مع كل صاروخ قسام. بين الأنفاق يدور بغزة) . من غزة جنوبا إلى عمق فلسطين وشمالها حيث يبنى جدار الفصل العنصري. والدعوة الى هدمه هي واحدة من دعوات كثيرة اغتنت فيها فضاءات الألبوم، فساهمت الكتيبة بـ "حملة هدم الجدار" عبر أغنية حملت نفس الأسم ونسمع بصوت "شاهد عيان". (بإسم فلسطين باختصار، هالجدار الإسنمت منكسرو لحجار، الحديد مندوبو صواريخ الليل منولعو نهار،الشهيد منرجعو عالدار عنفس المسار، بإسمو كتائب ليعيش البلد لإنتفاضة تالتة، غزة ورام الله والقدس لساتها ثابتة)

وعما يسمى المجتمع الدولي المتمثل بالأمم المتحدة، تشتد قسوة الكلمات في اغنية "نكهة صهيونية" التي تنعي المنظمة الدولية والوكالة المتفرعة منها، وكالة الغوث "الأونروا"، فنسمع صوت فتى الكتيبة الأسود عبد الجبار خمسة متسائلا: (لمين الإغاثة؟ إغاثة الاستعمار, إغاثة الاحتلال إغاثة البوارج. قصف مستمر من كل الجهات,هبات مهدئات أبدا ما بتعالج, بناء حجر الأساس لدعم الطابور الخامس. طرد التلاميذ مطلوب يكون في نظام تعليمي فاشل بالمدارس. هيك بتيجي الاوامر).

هكذا تبدو تجربة الكتيبة اكثر نضجا اذا تقترب اكثر من جوهر المشاكل التي عالجتها سابقا في الألبوم الأول . ولا يتوقف التطور عند عمق المعاني وقسوة الكلمات . فالموسيقى ايضا باتت اكثر شرقية بدخول آلة العود.

إن ما يميز تجربة "الكتيبة" أولا وأخيرا تمردها الواعي على شروط المنتجين أو الداعمين الغربيين، وتنكرها للثقافة والنمط الاستهلاكي الرائج في التعبير والتفكير. خلاصة تمرد كهذا كانت عملا فنيا استعلى بكبرياء على القواعد التجارية في الانتاج والتسويق. تجربة وجدت لها امتدادا على الساحة العربية عموما واللبنانية خصوصا, من خلال اعمال "الكتيبة" او فرقة "الطفار" البعلبكية التي ولدت من رحم الكتيبة، فعبر جعفر و ناصر الدين عن هواجس جمهور لبناني يعاني هو الأخر من حرمان شبيه لما تعانيه المخيمات الفلسطينية. فمن يدخل استديو الكتيبة قد يلتقي ب"أقصى" القادم من حي السلم او "فدائي" من مخيم شاتيلا , وربما هشام القادم من عين الحلوة. فهل من مشاريع جديدة ؟؟ المجالس بالأمانات.

مفكرون وقادة

الراب في الأصل شعر وإيقاع. فن أفريقي انتشر في أرجاء المعمورة. مشاركة الشاعر عبد الرحمن جاسم مرة أخرى في هذا الألبوم كانت بشذراته الشعرية كالظل تلازم الموسيقى. و يحضر جورج حبش وصلاح خلف (أبو إياد) والشيخ أحمد ياسين ، تطل أطيافهم في فضاء الألبوم لتلقي بوصايا تشع وترشد كلها للطريق الواحد المرسوم للخلاص من ليل الانتظار الطويل. وللمفكر اللبناني اليساري مهدي عامل كلمته، إذ يطل بصوته متماهيا مع موسيقى خاصة "لكل ناشط في الحياة ان يأخذ موقعا او يحدد موقفا . أهو مع الثورة او ضدها؟ بالكلمة الفاعلة واليد المبدعة.... فلتتوضح كل المواقف ولتتحدد كل المواقع ولتكن المجابهة في الضوء"

الثلاثاء، 22 يونيو، 2010

زعتر

من رسائل صبابة وحنظلة

ثلاث خيمات

كان مطلع صباحها ككل الصباحات: ترتشف قهوتها، تنظر إلى السماء بعيون نصف مفتوحة، تمتص سيجارتها بشغف، تغطي شعرها بشال أبيض، يتسلل الشعر الأشمط من تحته بخفة. كرسيها الخشبي مكسور الظهر. ترتشف مرة أخرى من القهوة، مستذكرة الأمل الذي كان يعتريها أثناء زيارتها مقر حكومة حماس في قطاع غزة، حيث شربوها وعودهم الغليظة بأن البيوت الحديدية (الكرافانات) التي ستحملها سفينة الحرية، ستوزع بكل عدالة، ولن يستفيد منها إلا من يسكن مثلها في خيمة وبقايا رماد. ليست المرة الأولى التي تتلقى فيها أم سعد وعوداً كهذه، لكن الفرق أن تفاؤلها كان هذه المرة الأقوى على الإطلاق. ربما لأنها كانت في كل مرة تعاود تجميع بعض الأحجار الهزيلة بعضها بجانب بعض بواسطة مادة لزجة تدعى الإسمنت لتلقي بعدها ألواح الزينكو فوقه لتغطي السقف ولتبدو كأنها تبني أو ترمم ما يشبه بيتها. لكنها هذه المرة حتى الإسمنت غير موجود بسبب حصار غزة، ولا تملك إلا أن تستسلم للوعود وتنتظر. أم سعد تعتقد أن «خيمة عن خيمة ما بتفرق»، ففي حياتها ثلاث خيمات: الأولى عندما كانت في الرابعة من عمرها، تسعفها ذاكرتها بمقاطع باهتة من صورتها، عندما هاجرت مع أسرتها من قرية «يبنا»، ومن يبنا إلى مدينة المجدل ومن المجدل إلى قطاع غزة، لتستقر خيمتها في منتصفه، وليلتصق اسمها باسم خيمتها مدى الحياة. والثانية عرفتها عندما كانت في الأربعين من عمرها حيث هدمت قوات الاحتلال الإسرائيلي بيتها بالكامل بعدما فشلت في إيجاد بكرها (المناضل سعد) كما اصطلح الناس في المخيم على تسميته. أما الثالثة، فكان عمرها 65عاماً، حيث نصبتها بعدما استقرت قذيفة الفوسفور في وسط بيتها مسوّية إياه بالتراب في الشتاء الماضي.

صوت دقيق أيقظها من غمرة تحليلها وتفكيرها العميقين: «خالتي ألن تذهبي إلى مقر الحكومة لتسألي عما يجري؟ فالمذيع في الراديو يقول إن الجيش هاجم السفينة في عرض البحر وربما لن تتمكن من الدخول». أومأت أم سعد برأسها وعادت تنظر إلى السماء وتطفئ سيجارتها العاشرة في الصحن الملوث بالقهوة. علا أبو حسب الله ـــ مخيم النصيرات

■ ■ ■

ع البارد

علا يا عزيزتي: ظننت للوهلة الأولى أن قصتك تتحدث عن أم أسعد في رواية غسان كنفاني، وغاب عن بالي أن حكاياتنا تتشابه أو تكرر نفسها برغم مرور الزمن. فأم سعد في رواية غسان عاشت في مخيم برج البراجنة. وهو مخيم كغيره من المخيمات الفلسطينية في لبنان. حيث كان على أهلنا حين هجروا من فلسطين أن يقيموا في الخيم سنوات قبل أن يسمح لهم ببناء أكواخ بالطريقة التي وصفتِ. ولم يسمح لهم ببناء منازل إسمنتية إلا بعدما امتشقوا السلاح. حينها اختتم غسان حكاية أم سعد، بالعبارة الشهيرة «برعمت يا أبن العم برعمت». لم تكن مجرد جملة شاعرية قرر كاتب أن يختتم بها رواية. بل حيث يزرع الظلم والقهر البذار لا تنبت إلا الثورة. لم نعد إلى فلسطين على الرغم من مرور أربعة عقود ونصف عقد على تلك الحكاية. وإدخال مواد البناء ممنوع منذ سنوات. ومنذ أسابيع سقط استثناء كان يحظى به مخيم برج البراجنة. فلسنوات خلت كان ينعم هذا المخيم بتسهيلات تسمح بترميم بيوته المتهالكة. للأسف فإن هذه التسهيلات قد ألغيت. وتساوى أهل المخيم بغيرهم من سكان المخيمات الأخرى. أما مخيم نهر البارد الذي دمر بزلزال بشري و«ع البارد»، فإن إعادة إعماره صارت فيلماً سينمائياً يعرض في مكان بارد، تنخفض فيه الحرارة إلى درجة أنه لم يستقطب أي مشاهد! فيما حصل خبر الاعتداء على الأسطول الذي يحمل كوخ الزينكو الذي كان سيؤوي أم سعد، حصل على أعلى نسبة مشاهدة. فرأى الملايين الوجه الإجرامي الجديد لمحتل فلسطين. وعلى الرغم من فظاعة المشهد فإنه فتح الآمال بانطلاق أساطيل جديدة، أحلم بأن أركب أحدها. سألني صديقي إن كنت خائفاً من أن أعتقل إذا قرصنوا السفينة؟ فأجبته «شو مالك يا زلمة على الحالتين بكون بفلسطين. صحيح بالسجن بس بفلسطين». ثم سألته «مش مفكر تطلع على شي باخرة»؟ أجابني: «ليش لاء خيا. بس تكون السفينة مش رايحة على غزة، ع البارد». بكيبورد ـــ علاء الزعتر

عدد الاثنين ٢١ حزيران ٢٠١٠ |
أرسله حنظلة (لم يتم التحقق) يوم اثنين, 2010-06-21 19:34.

هل هي الهمزة التي تفصل عُلا عن علاء؟ ما رأي "مُحبّي الحياة" في الخيمة؟ أسلوب للحياة camping أم رافدٌ "لثقافة الموت"؟ ما الفرق بين حصار غزة و حصار "جزر المخيمات" ع الحامي و ع البارد؟ أذكر ذلك العجوز الأعور ب "تشبره"، الراكب حماره الأعور مثله و المتجول في وسط البلد ليسقى حماره قبل نفسه من العين (و هو الأعور!!!)، حتى إذا مرّ بالجمع أيّاً كان، كباراً أم صغاراً، نساءً أم رجالاً، أعلن بصوته المبحوح الغليظ نبوأته المشؤومة: "جاييكم يوم زي دكِّ (دق) الثوم" ......ثم يُجلجل ضاحكاً و ما يلبث أن يلاحقه حماره،رفيق دربه، بالنهيق. ذهبت أيّام دق الثوم و جاءت غيرها و لم نعرف أيّها اليوم الحقيقي، أمّ أن هذه كانت أيّام التدريب و الهواية؟ و في الحقيقة ما اكتشفناه لاحقاً هو أنّ هذا العجوز لم يكن هاوياً للثوم، بل للزعتر و أترابه من أعشاب البرية، و أنّ عينه اليسرى أطفأت في معركة الدهيشة أو كفر عصيون (تختلف الراويات) و أنّه اعتزل البشر من يومها مصطفياً الحمار تلو الحمار، ما السبب؟ لا أحد يعلم، هل هو ما رآه (أو نصف ما رآه)؟ لكن موسى الأعور لم يحدد أبداً من يخاطب في حديثه المتخبط؟ أهل البلد (القرية) أم أهل البلد (فلسطين) أم من طردوا أهل البلد؟ مات موسى الأعور و مات سرّه معه، و من كثر ما دق الثوم على رؤوسنا ما عدنا نميّز الفول من الرّمان، فأنبأنا يا موسى؟ أتبعث من قبرك من جديد حاملاً نبوأة جديدة؟ فلتكن هذه المرة عن دقّ الزعتر، فقد فتك الثوم بنا.... حنظلة

مجــــــرداً

علاء العلي

دخلت إلى غرفتي، خطت خطوتين اثنتين، مالت برأسها، ابتسمت. ثم همست «اكتبْ». وتلاشت. بقيت رائحة عطرها تفوح في أرجاء الغرفة لساعات. زارتني ثانية، وثالثة و... مع كل زيارة كانت تكرر الخطوتين والهمس والابتسام، ثم تتركني أتنشق أريج عطرها. ومنذ زيارتها الأولى، صرت مجبراً على أن أمضي معظم سهراتي مع نقيضين. ألزمتنا أن نمضي آخر الليل وأول بزوغ الفجر في دوامة نتصارع. نحن الثلاثة: قرحتي وقريحتي وأنا. لا أعرف تماماً ما هي القريحة. في المعجم هي «ما جادت به العقول على اللسان». هل هذا الوصف يكفي؟ لعلها شعور يغمرك فتتناثر الأحرف من بين أناملك على الورق. أم لعلها وحي؟ أم صدى الهمس؟ يتحول إلى حبر ليكون أحرفاً، فكلمات، فجملاً، ثم نصاً. والهمس في هذه الغرفة هو همس صوتها. تنطق بالأحرف الأربعة، في كلمة واحدة، فعل الأمر اكتب. ما أعرفه يقيناً عن القريحة أن لها شروطها وآدابها. أولها أن تسمعها ما تطرب له، فعليك وأنت الناطق بالضاد أن تسمعها ما يتناغم مع لغتك العربية الشرقية. فأسمعها إذاً عزفاً على العود أو الناي. والأهم أن تؤمن لها الاستيقاظ الكامل في خلاياك الدماغية. فعليك إذاً بالقهوة. اتركها حتى تبرد، ثم ارتشفها وتابع الكتابة. أما وأنت تعاني قرحاً في المعدة فعليك أن تتمهل. حتى لا تتحول المتعة في ارتشاف القهوة إلى مخالب تنغرز في أحشائك. تحاول أن تتابع الكتابة، تكتب كلمة ثم تشطبها، تبني جملة ثم تنسفها، تترك كرسيك وتتجه إلى النافذة. تشعل سيجارة. تتمشى في الغرفة ذهاباً وإياباً. تمتد يدك إلى مجموعة من الكتب المبعثرة على الطاولة. تقنع نفسك بأنك اخترت أحد الكتب مصادفة. تنظر لعنوانه لتتأكد «ذاكرة للنسيان». ثم تقنع نفسك وأنت تقلب في الصفحات بأنك توقفت عند الصفحة 23 مصادفة. فتقرأ كلمات الكاتب (وهو محمود درويش طبعاً) «أتسأل كيف تكتب يد لا تبدع القهوة؟ كم قال لي أطباء القلب وهم يدخنون: لا تدخن ولا تشرب القهوة». وكم مازحتهم: «الحمار لا يدخن ولا يشرب القهوة ولا يكتب». تجد سنداً لك، وأي سند، وأنت تسرع ناحية المطبخ محاولاً أن تصنع قهوتك دون أن تكسر سكون الليل، حتى لا يستيقظ أحد في المنزل لينبهك من القهوة وتأثيرها على المعدة. تعود إلى غرفتك، تسكب القهوة، تشعل سيجارة. تغير موسيقى العود إلى ناي أو بالعكس. ثم ترتشف من القهوة. تشعر بنشوة النصر. تفكر في ما قد يحضرك في أي لحظة. عليك أن تسرع، تتذكر زائرتك وعطرها وهمسها لفعل الأمر. عليك أن تكتب لها أو عنها، وتتذكر أن الإيجاز شرط البلاغة. فلتكتب اسمها مجرداً: فلسطين.

عدد الاثنين ١٩ نيسان ٢٠١٠
ألأخبار
http://www.al-akhbar.com/ar/node/186008

الأربعاء، 24 مارس، 2010

Palestine Was Never a Desert. Serhan Filmed Her

In 1987 the humble funeral procession of a Palestinian man emerged from Sabra Camp. The only mourners were two women. The departed was born in Jaffa in 1915. His name was Ibrahim Hassan Serhan, the first Palestinian filmmaker.

By Alaa El Ali

Trasnlated by Rose Nakad

Al Akhbar Newspaper, Lebanon, 14 November 2009

http://al-akhbar.com/ar/node/163766

Zionist propaganda films about the period before the Nakbe of Palestine depict the latter as an expansive country largely empty except for Bedouins and nomads. They portray the Jewish settlers, the whites, the westerners, rolling up their sleeves to cultivate this beautiful and neglected land - the land promised to them by a holy book. On the other hand, there is hardly any Palestinian or Arab documentation of Palestine before the Nakbe and the arrival of the Zionists. The existing few pieces are of critical importance, and have been largely obscured or misused and the remainder neglected. Amidst this neglect is the work of the first Palestinian director, Ibrahim Serhan, who died in 1987. It appears that the funeral procession of only two women - his daughter and wife - was normal, especially since it was a time of vicious civil war.

Serhan arrived to cinema through the door of adventures and personal curiosity, and like the acts of all pioneers, his images and documentary films acquired great importance. His first film contains rare scenes of Palestine. The film was simply reportage and of course shot with the black and white technology of those days. He filmed the visit of King Malek Abdel Aziz el Saud to Palestine in the year 1935, with a camera he bought at that time for 50 Palestinian guineas. But Ibrahim Serhan’s adventures began years earlier. Serhan’s son, who met with Al Akhbar in Sabra, talks about his father’s love for photography before he discovered cinema. He remembers his father and his description of how he educated himself through reading books before buying the camera to record the king’s visit and his trip with the Hajj Amin al Husseini between Lodd and Jaffa, in a film of 20 minute duration.

During the following decade Serhan continued making documentaries, including a film on the visit of Basha Ahmad Hilmi, member of the Higher Arab Commission. Between 3pm and 6pm Serhan completed a film about the visit impressing the envoy who then gave him an amount of 300 Palestinian guineas. The money allowed Serhan to further his dreams, and using this amount he managed to open Studio Palestine in Jaffa on the grounds in front of the French hospital. It was there that he made with his own hands a rudimentary table for editing and Moviella. His son talks about how his dream grew, and how he tried to produce a feature filmً with the title Storm in a Home. Because he did not have enough funds to fulfill his dream, Serhan published an advertisement in a newspaper announcing the opening of Studio Palestine and the desire of the Studio to accept actors for the cinema. He received 12,000 letters of support and in each of them a nominal amount which enabled him to collect 2,000 Palestinian guineas. He was then joined by a partner, the journalist Zouheir al Saqa. But disagreements between the two “producers” prevented the completion of the film. Ibrahim continued shooting documentary and propaganda films until 1948.

The Palestinian cinematographer left his country with the Nakbe, shifting between Jordan and Beirut. According to an interview conducted with the Iraqi director Qassem Hawal, Serhan shot a film in Jordan in the year 1958 with the title, Struggle in Jarash. It is recorded as the first Jordanian feature length narrative. This interview with Ibrahim Serhan published in 1976 is thought to be the only one of its kind, and is quoted in the introduction of many of the books about Palestinian cinema.

As for Ibrahim, they merely noted that he lived in Sabra until 1976, which is the date of the publication of the interview. Other sources say that he died in the massacre of Sabra and Shatilla in the year 1982. But Serhan’s son confirmed that this information is incorrect. Ibrahim remained alive until 1987, a time when the circumstances of the Lebanese civil war prevented the exit of a funeral procession worthy of even an ordinary man - so it was left to Serhan’s wife and his daughter.

It appears that the treatment of this historical figure is an obvious embarrassment in the documentation of Palestinian history. And in the midst of helplessness and despair about the fate of the Palestinian cause, some describe the experience of Serhan ridiculously and naively, while similar figures are studied as part of the history of other countries, from Egypt to France to the whole world. And in addition, one of the self proclaimed experts has not even watched the films of the departed in complete - films that give an idea of their artistic value. Their historical and archival value are of a superior level to their sister films from other Arab countries, not only in terms of the content of style of life, clothing and architecture, but in terms of the existence of cinematic material in Palestine before the Nakbe. They also point to the famous Zionist lie: They do not exist.

In the same interview Ibrahim Serhan tells the Iraqi Qassem Hawal about the method the Zionist movement relied on in the manufacture of their “documentary” propaganda films. It proceeded in representing the empty locations in the wilderness, then the filming of a child in one of the poor villages. Or for example they would focus on the filming of shepherds and their herds or some camels in locations close to the desert. What was of importance was that the land should seem empty of people. Then they would show the “pioneer” youth – the original occupiers - rising to the responsibility, hand in hand, men and women, constructing settlements in this available land. All of this to generate sympathy with these “brave souls,” and to support the Zionist propaganda which based itself on an idea that Palestine was a land without a people for a people without a land - the Jews of the world. And furthermore he described how the Zionist movement before the Nakbe tried to exploit the artistic talents of Serhan, but he refused to cooperate with them. Serhan attributes this to the consciousness raising and awareness disseminated by the national movement during those days.

Mohamad Ibrahim Serhan does not talk about how his father lived in Sabra. He does not tell us if he came to hate filmmaking or not after his exit from Palestine. He only says that he was a wonderful father.

An adventure initiated by….

…Ibrahim Serhan was extinguished with Palestine’s Nakbe …Mustafa Abou Ali repeated the journey (in 1968)from the same deprivation, with the same determination, as he said during Cinema of the Disappeared (Beirut 2008), “when we began we used to beg for film and borrow a camera. Unleashing more than a thousand Palestinian films needs a serious process of research and documentation”. Perhaps we could find press archives related to the cinema before the Nakbe, as well as printed archive, like “el Karmel” and “el Akhbar” – large sections of both archives were found in the Free University of Berlin and the National Library of Versailles

watch video by Sirhan

http://www.youtube.com/user/cinemapalestine#p/a/u/0/k7NJR-He5Fo

من رسائل صبابة وحنظلة

أقل من صفر

حنين يا خيتا كيفكم؟ وكيف أحوالكم بمخيمات الأردن؟ إحنا أحوالنا صارت عال العال. عال لدرجة لا تصدق. فلقد أدركت فصائلنا المسلحة، وأنت تعلمين كثرتها والحمد لله، أن فلسطين لا تحتاج لأيديولوجية كي تتحرر. فقد اقتنعوا أخيراً ولا أعرف كيف، بأن فلسطين هي الأيديولوجية. فتوحدت هذه الفصائل وباتت نسبة الانقسام لدينا أقل من صفر. ووكالة الأونروا؟ أخيراً فهمت أن المشكلة الرئيسية في المدارس التابعة لها، هي تدريسها طلاب فلسطين منهجاً دراسياً يبتعد عن فلسطين، بعد المستعمر الأبيض عن الأخلاق والعدالة. هكذا، عدّلت منهجها، وبات تدريس قصص غسان كنفاني وإميل حبيبي وأشعار محمود درويش وفدوى طوقان وتوفيق زياد وسيرة إدوارد سعيد، هي الأساس، فانهمك الأطفال بشغف بالدراسة، وسجلوا أعلى نسبة حضور منذ سنوات في صفوفهم، حتى وصلت نسبة التسرب من المدارس إلى أقل من صفر. أما مؤسسة صامد؟ فعادت إلى العمل، فافتتحت معامل وورشاً ومصانع حلويات وأفراناً تستوعب الكثير من الأيدي العاملة المتبطلة، ما أمن فرص عمل مثالية وباتت نسبة البطالة لدينا أقل من صفر. وأخيراً ــــ هيدي مش رح تصدقيها ــــ اتخذت الجمعيات الأهلية الفلسطينية موقفاً حاسماً من المتبرعين والمتمولين. فبدل أن تلهث خلف ما يقرره من لا معرفة لديه بما نحتاج، فرضوا على كل أولئك الأجانب وقف مؤتمراتهم عن كيفية إدارة المخيمات، وهي مؤتمرات لا يستفيد منها سوى الصحافي بمقالة، أو صاحب الفندق بأجرة، أو المطعم الذي يحضّر وجبة الغداء. فاستبدلت هذه المؤتمرات بتركيب أجهزة حفظ للطاقة الشمسية. وعلى الرغم من مشكلة الكهرباء في لبنان، فإن غيابها عن المخيم صار أقل من صفر. ماذا عن الزينكو؟ صار مجرد تذكار نعلقه في المنازل على شكل مفتاح حق العودة. فقد سمح لنا بإدخال مواد البناء، وباتت نسبة المشغولين بترقيع الزينكو عن التفكير بفلسطين أقل من صفر. ماذا عن التصاريح؟ «ملعون أبو أبوها»: لقد ألغيت، وبات إدخال أثاث المنازل إلى عين الحلوة، والأطفال إلى نهر البارد أمراً عادياً، ومحاولات إذلالنا على مداخل المخيمات صارت أقل من صفر. «من حقنا نحكي» كان عنوان الحملة التي طالبت بحق فلسطينيي لبنان في تمثيل أنفسهم، حيث أجريت انتخابات لمجالس تمثيلية شهد لها القاصي والداني بنزاهتها. وصارت نسبة تهميشنا أقل من صفر. هتافات خلي «السلاح صاحي» التي ترتفع من حناجر شباب المخيم مع بزوغ الفجر هي ما نستيقظ عليه كل صباح. حيث أدرك الجميع عبثية المفاوضات. وصارت درجة الهبل لدينا أقل من صفر. يبقى يا صغيرتي أن أخبرك، للأسف، أن كل ما ورد في النص أعلاه يملك مصداقية أقل من صفر. شاتيلا ـــــ علاء العلي

■ ■ ■

أربعون فوق الصفر

خيا.. أذهلتني! سمعت أن أحوال المخيمات آخذة بالتحسن، لكني لم أتوقع أبداً أن تصل لهذا الحد! أرأيت؟ «ياما مشيت بمسيرات وهتفت حتى انبح صوتي وانهميت»، ثم تحدث كل هذه التغيرات الجذرية وأنا رهينة فراش المرض؟ لو علمت أنه بغيابي ستنتهي الكثير من آلامنا لمرضت منذ أيقنت معنى أن أكون فلسطينية! من الطبيعي أن تحل مشاكل المخيم على هذه الصورة، فبعد رفض آخر قمة عربية الاعتراف بإسرائيل، أوقفت جميع الدول العربية خطوط الاستيراد والتصدير والتعاملات التجارية معها، وصار من الطبيعي أن تفتح في المخيمات المعامل وأن يجد العاطلون من العمل فرصاً للشغل. وكان من الطبيعي إغلاق السفارات الإسرائيلية في دول عربية، وتحويل مبانيها إلى مقار دراسة شؤون الفلسطينيين. أترى كيف نقترب من فلسطين بعدما صار حق العودة مقدساً؟ أما ما أذهلني فعلاً ففتح معابر غزة ــــ مصر على مصارعيها، ونحن أيضاً لم نعد بحاجة لتصريح لنزور فلسطين، فما عليك إلا التوجه إلى مجمع العبدلي، لتجد بجانبه سائقين ينادون «عمان ــــ القدس»! بالمناسبة ماذا حلّ عندكم بالمتاجر المدرجة ضمن قائمة المطبعين؟ بالنسبة لنا؟ أقفلت جميعها! أصحيح أننا سنشتاق لأيام المسيرات والاعتصامات؟ فقضيتنا أصبحت شبه محلولة. لا تظاهرات ولا هروات تنهال على أجساد المتظاهرين. أتدري؟ قد نشتاق للغاز المسيل للدموع. يقولون إن إسرائيل لن تقوم بأيّ هجمة جديدة على غزة أو غيرها، فقد برد رصاص جنود الاحتلال في بنادقهم. كما أُخبرت أن الصلاة في الأقصى أصبحت مسموحة للكل ومن كل الأعمار. في النهاية اعذر أي خطأ في رسالتي، فدرجة حرارتي أربعون، فوق الصفر نعم! عمّان ـــــ حنين عطا الله

عدد الاثنين ٨ آذار ٢٠١٠ | شارك

لا تصلح أناقة الورد لضيق الأزقة

لا تصلح أناقة الورد لضيق الأزقة

علاء العلي في ازقة شاتيلا (أرشيف)في ازقة شاتيلا (أرشيف)لن تغيب فيروز عن صباحك اليوم. ولن يغيب عن فطورك الزعتر. ما زلت كما القلائل تؤمنين بأن هذه النبتة تصلح رمزاً لنا. لما فيها من تواضع يشبه ضعفاً وشموخاً محلقاً كأحلامنا. تظنين أن فيها إكسيراً للحياة سيحيي طائر الفينيق، كي ينطلق بنا من المخيم إلى أرض المزارت والديانات والزعتر. اليوم عيد العشاق فلا تغضبي إن وجدت الناس يدخلون إلى محالّ الحب لشراء هدية أو ورد جوري. لا تنفجري غضباً مثل ذلك اليوم الذي مزقت فيه الصحيفة. أغضبك خبر الملايين التي أنفقت على هدايا عيد الميلاد. قلت يومها لن يفرح المسيح إذا أنفقت الأموال ليلة ميلاده وأطفال غزة يتضورون جوعاً وحصاراً. ولن يبتسم النبي إن نحرت الأضاحي في مكة وأطفال أفريقيا يسحقهم المرض والفقر والإهمال. أما الورد الجوري؟ فتعتقدين أن به أناقة لا تصلح لضيق الأزقة. فهنا سيتحول الترف إلى مسخ مشوّه. فالمخيم المبني على سفح جبل الانتظار لا تصلح أرضه إلا لنمو الأمور من نوع الزعتر. أتذكرين معايدتنا لخالتك المريضة؟ قلت يومها «لولا مخافة نعتي بالجنون لأحضرت لخالتي بدل الورد زعتراً». قلت لك يومها إنني إن مرضت؟ فلا تحضري معك عندما تعودينني غير نبض قلبك وبعض الزعتر. لن تغيب فلسطين عن حديثك اليوم وأنت تجالسين صبايا المخيم، سيتحدثن بلغة القلب. وإن أسرفت إحداهن في أحلامها فتمنت قصراً في الريف الفرنسي، وفضلت أخرى منزلاً في جنوب إسبانيا؟ ستذكّرينهن بالوفاء للزعتر. لن يغيب ذكري عن الحديث إن زرت أمي اليوم. ستحدثينها عني وعنك. ستحاولين أن تبحثي في ذاكراتها عن أشياء لم تخبرك بها بعد عن قريتنا أو مدينتكم. وربما ستقرران مجدداً البحث عن فسحة جديدة على سطح دارنا أو داركم لتزرعوا فيها المزيد المزيد من الزعتر. لن يغيب الحلم عن غروبك. ولن تغيب الدمعة عن عينك إن شاهدت التلفزيون ولم تصلك بشائر الفرح من القدس. لن يغيب السمر عن مسائك. ستجلسين قرب منقل الفحم، لتصنعي قهوتك فوق دفء جمراته. قد تسمعين من جدتك حكاية عاشق عرفته عندما كانت طفلة في فلسطين، فرضوا عليه مهراً صعباً لينال الحبيبة، فلم يخذله الحصان. أو لعلك ستسامرين قريبة لك. أتراها ستسألك عن اسم لطفل تنتظره؟ ستجيبيها حتماً سمّه أحمدَ كأحمد الزعتر. لن يغيب الحياء عن وجهك إن التقيتك اليوم. سنتحدث عن حلمنا بمنزل صغير في فلسطين، في قرية على سفح جبل حيث ينهمر المطر فرحاً فترتوي الأرض عشقاً لينبت الزعتر. اليوم. يوم عادي. كما الأمس والغد، يشدني إليك ويشدك إلي: فلسطين، الحب وإيماننا بفلسفة الزعتر.

عدد الاثنين ١٥ شباط ٢٠١٠ | شارك

شو؟لشو؟ وهيدا شو؟

شو؟لشو؟ وهيدا شو؟

علاء العلي هم ملتزمون، تقول خالتي ام العبد، بس بشو؟هم ملتزمون، تقول خالتي ام العبد، بس بشو؟1ــــ تعتبر خالتي أم العبد مرجعاً في مجال الأغنية الملتزمة. فهي تحفظ عن ظهر قلب أغاني الشيخ إمام. بل أكثر من ذلك فهي تحفظ كلمات كل أغانيه عن ظهر قلب وتذكرها بتواريخ إصدارها. وهي تؤكد أن لا أحد من ضيوف زاهي وهبي (الحلوة على حد تعبيرها) أو غيره، يحق له أن يدعي أنه من تلاميذ الشيخ إمام أو حامل لرايته. فهي لم تسمع بأن أياً من هؤلاء قد أقام حفلة مجانية في أحد المخيمات أو المناطق الفقيرة، أسوة بإمام. «ولو زيارة على الماشي كيف صحتكم يا جماعة»؟ تقول. وهي كثيراً ما تسأل «همي يما ملتزمين بس بشو؟». 2ــــ خمس سنوات مرت من عمرها كأنها الطيف، كانت لطيفة في بياناتها وخطابتها ووعودها. هي لجنة «الحوار اللبناني الفلسطيني»، فنحن لم نشعر بمرور السنوات الخمس من عمرها تماماً كما لم نشعر بوجود اللجنة نفسها أصلاً. وبما أننا كأهالي مخيمات اعتدنا مجالسة اللبنانيين والحديث معهم من دون تكليف، لا بل إن الأحاديث تكون في معظم الأحيان «من الزنار وبالنازل» (في السياسة طبعاً). ولعمكم أبو يوسف العكاوي باع طويل في هذا الموضوع. فهو يمضي النهار سائقاً سيارة التاكسي «المكركعة». وبالتالي فهو يمضي الوقت متحدثاً عن أحوال البلد وعلاقة اللبنانيين بالفلسطينيين «وشو صار وشو لازم يصير» وهو يسأل «لجنة حوار لشو؟». 3ــــ أثناء عودتي من سوريا بعد قضاء أسبوعين. أوقفنا حاجز قوى الأمن الداخلي على ضهر البيدر. وطلب من السائق التوقف على اليمين. وبما أني الوحيد الفلسطيني في الباص فقد لاحظت كيف استثنى هويتي الزرقاء وهو يعيد البطاقات للركاب. ولم أفاجأ حين قال «علاء العلي؟ نزال على الأرض». وما إن نزلت حتى طلب مني التوجه معه إلى غرفة جانبية. وهناك طلب مني أن أخرج كل ما في حوزتي. ثم أخذها من يدي يضعها جانباً وراح يبحث في جيوبي. وهنا بدأت أفكر. ما عساني أخفي في جيوبي؟ صاروخاً؟ طائرة هليكوبتر؟ ولا حتى مسدس صغير الحجم يمكن أن يخفى في جيب بنطال جينز. وما إن انتهى حتى عاد إلى الخلف قائلاً: «عفواً». وهنا شعرت بشيء من القدرة على السؤال «لأني فلسطيني؟» بدا شيء من الخجل على وجهه وهو يقول: «لأ هيدا شي عادي». وبعد عودتي إلى الباص لاحظ الركاب تجهمي. وسألوني عما حصل فأخبرتهم. فالتفت السائق قائلاً «هيدول هيك على مزاجهم». فتدخل راكب في الخلف «مش لازم تزعل هيدا شغلهم» فرد السائق «وشو بدو يكون في بجيبتو يعني؟ قنبلة نووية؟ وبدأ الهمس يعلو في الباص وشعرت أن جدلاً بيزنطياً سيبدأ. فحملت إحدى حقيبتين كانتا بحوزتي، تتسع كل واحدة منهما لكيلوغرامات. وسألت الأخ في الخلف «طيب هيدي شو؟».

عدد الاثنين ٨ شباط ٢٠١٠ | شارك

مخيم التنف مُغلق... للتوطين

مخيم التنف مُغلق... للتوطين

هكذا كان مخيّم التنف (الأخبار)هكذا كان مخيّم التنف (الأخبار)قد تكون تجربة التعامل مع اللاجئين الفلسطينيين الفارين من العراق، أولى بوادر التعاطي مع قضية اللاجئين عموماً: التوطين في بلد ثالث

علاء العلي «هذه هي المرة الأولى التي يجري فيها توطين فلسطينيين في بلد ثالث»، هكذا قالت الأستاذة في القانون الدولي للاجئين (جامعة واشنطن)، اليزبيث كامبل، في تقريرها الصادر في أيلول 2009 عن ترحيل فلسطينيي العراق من مخيمات الوليد والتنف إلى دول غربية مختلفة. مع بزوغ فجر اليوم، سيكون مخيّم التنف قد انتهى عمليّاً، إذ ستعلن مفوضية شؤون اللاجئين رسمياً إغلاقه، عبر نقل 67 شخصاً إلى مخيم الحسكة كمحطة مؤقتة قبل الانتقال إلى السويد، أسوةً بـ960 شخصاً رُحّلوا على فترات مختلفة. وتعود قصة هؤلاء إلى نكبة فلسطين عام 1948، حين حلّوا على العراق ضيوفاً، ورفضت السلطات العراقية آنذاك تسجيلهم من جانب وكالة «الأونروا»، على اعتبار أنهم «أهلنا، ونحن مكلّفون بهم». لكن مع نكبة العراق عام 2003، نال الفلسطينيون نصيبهم من الخطف والقتل، فتوالت هجرتهم على دفعات. تمكّن الميسورون منهم من الحصول على تأشيرة دخول إلى دول كالهند وتايلاند، فيما لجأ ذوو الإمكانات المادية المحدودة إلى الحصول على وثائق عراقية مزوّرة تكفيهم شرّ الميليشيات المنتشرة على طول الطريق بين بغداد والحدود مع سوريا والأردن. مصير هؤلاء كان المنع من دخول الأراضي السورية أو الأردنية، إذ رفض كلا البلدين إدخالهم، لتنشأ أربعة مخيمات في المناطق العازلة الحدودية: الرويشد والتنف والوليد والهول. مخيم الرويشد أنشئ على مقربة من الحدود الأردنية، حيث جرى إيواء لاجئيين من جنسيات مختلفة كالصومال وإيران، ليصار لاحقاً إلى حل قضيتهم بطرق مختلفة، فأُدخل الفلسطينيون أصحاب الأوراق الثبوتية الأردنية إلى الأردن، فيما رُحّل العديد من الفلسطينيين إلى دول مختلفة أهمها البرازيل. أما مخيم التنف، فقد أُنشئ عام 2006، ليضمّ مجموعة صغيرة من الفلسطينيين الهاربين من أتون الحرب، بعدما رفضت سوريا إدخالهم لعدم وجود أسمائهم في سجلّات وكالة «الأونروا»، فتولّت مفوضية شؤون اللاجئين متابعة ملفهم وإغاثتهم. ومع الوقت، بدأ المخيّم يستقبل مجموعات جديدة قادمة من العراق، إضافةً إلى بعض الذين أُلقي القبض عليهم داخل الأرض السورية، بتهمة الإقامة بوثائق عراقية مزوّرة. ومع إصرار الحكومة السورية على عدم إدخال لاجئي هذا المخيّم، اعتمدت المفوضية خيار التوطين في بلد ثالث، مسجّلة بذلك سابقة في موضوع اللاجئين الفلسطينيّين. وجرى بالفعل توطين سكان المخيم في دول غربية مختلفة، فاستقبلت تشيلي بدايةً 116 لاجئاً، والسويد640، والنرويج 145، وبريطانيا 50، وإيطاليا 133 لاجئاً. وتوزعت أعداد صغيرة في دول مختلفة كجمع شمل مع أفراد من عائلاتهم مهاجرين أصلاً. ويعدّ وضع مخيم الوليد، الواقع داخل الأراضي العراقية، الأصعب، حيث مُنع نحو 1500 لاجئ من مغادرة الأراضي العراقية، فأقيم المخيم قرب نقطة الوليد الحدودية. ويعاني سكان المخيم اعتداءات الميليشيات العراقية تارةً، والقوات الأميركية تارةً أخرى، إذ يجري دهم المخيم واعتقال بعض السكان واقتيادهم للتحقيق بين الفينة والأخرى. وقد مُنحت تأشيرات دخول للولايات المتحدة لـ 1103 أشخاص من أصل 1479، هم مجمل سكان المخيم. واللافت هنا رفض كلّ من السلطات السورية أو الأردنية مرور هؤلاء عبر أراضيها، حيث رُحّلوا عبر مطار بغداد. ويبقى مخيم الهول، الذي أقيم داخل الأراضي السورية في محافظة الحسكة، حيث استُقبَل 286 شخصاً في أيلول من عام 2005. ومع مرور الوقت، سُمح بدخول بضع عائلات إضافية ليصل عدد السكان إلى 326 شخصاً، إضافةً إلى نحو خمسين شخصاً لم يُمنحوا تأشيرات دخول إلى الدول الغربية، فنُقلوا من مخيم التنف في 10 كانون الثاني 2010. ومخيم الهول هو المخيم الوحيد الذي يسمح لأهله بالتجوال في داخل الأراضي السورية (ضمن محافظة الحسكة)، ولكنهم ملزمون بالإقامة داخل المخيم.

عدد الاثنين ١ شباط ٢٠١٠ | شارك

سلام تُهديكم السلام

سلام تُهديكم السلام

شاتيلا ــ علاء العلي سكان شاتيلا يعرفون حكاية سلام (هيثم الموسوي)سكان شاتيلا يعرفون حكاية سلام (هيثم الموسوي)تنظر الطفلة ذات السنوات الثماني حولها، من دون أن تعرف ما يحصل. تواصل هزّ رأسها بطريقة لولبية. قد يتبادر في ذهن المارّة في الشارع الرئيسي لمخيم شاتيلا أنها مجرد طفلة تلهو. أما إذا كان من سكان المخيم، فسيعرف حكاية الطفلة التي لا تعاني مشكلة واحدة، بل مجموعة مشاكل: التوحّد والتخلّف العقلي، إضافة إلى تشنجات في الأطراف. حالة الطفلة سلام نادرة، تصيب عادة فتاة من ألف فتاةٍ أخرى، وفقاً لما يذكره الاختصاصي النفسي في مؤسسة «الشهيد غسان كنفاني»، محمد عرابي. عرابي، وهو المتابع لحالة سلام منذ سنوات حين كانت «نزيلة» مركز الرعاية التابع لمؤسسة كنفاني والمصنّف روضةً للأطفال. بعدها حاولت المؤسسة إحالة سلام على مركز أكثر تخصصاً، إلا أنها فشلت، بسبب التبول اللاإرادي الذي تعانيه، حيث رفضت الجمعيات الخيرية المجانية استقبالها. أما السبب الثاني، فهو المبالغ المالية الكبيرة التي كان على الأسرة دفعها للمراكز المتخصصة، وهي مبالغ تفوق قدرة الأسرة التي تعتاش من فرن صغير للمعجنات، بالكاد يستطيع توفير قوتها اليومي. في حالة مشابهة لحال سلام، تتولى وزارة الشؤون الاجتماعية تغطية تكاليف العلاج، لكن شرط ألا تكون «فلسطينية»، فهذا ليس من اختصاص الوزارة! فماذا عن وكالة الأونروا؟ هي الأخرى ليس لديها الكثير لتقدمه، ما عدا زيارة اختصاصية اجتماعية تتولى تدريب الأسرة على طريقة التعاطي مع طفلتها. أما الدواء الخاص، فهو غير موجود في عيادة الأونروا، حيث تقدم الدول المانحة أدوية مما يفيض عن حاجتها، مما أكل الدهر عليها وشرب. ولم تلقَ عشرات اللوائح المقدمة من هيئات المجتمع المدني لتحسين نوعية الأدوية آذاناً صاغية. أسرة الطفلة قصدت الكثير من الجمعيات العاملة في المخيمات الفلسطينية، فلم تجد ما يشفي الغليل. علماً بأنّ العشرات من مشاريع التدعيم النفسي تُعلَن سنوياً بمبالغ خيالية من هذه الجمعيات. تحت وطأة اليأس، قصدت والدة الطفلة سوريا حيث رحّبت هناك مراكز العلاج باستقبال الطفلة مجاناً. لكن لهذه المراكز عطلها الأسبوعية، ما يحتّم عودة الطفلة أسبوعياً إلى المنزل. لكن، أي منزل؟ لا قدرة للأسرة على الانتقال إلى سوريا. لا مال ولا من يساعد ولا سبيل للوالد، عدنان حمزة، سوى فرن المعجنات. لا يجد الوالد الكثير ليقوله سوى «لو أني مش فلسطيني كنت رحت عملت اعتصام أنا وهالبنت قدام شي سفارة، بركي حدا بحن علينا». لكن، لا أحد، والطفلة تذبل شيئاً فشيئاً أمام أنظار أبٍ غير قادرٍ على تحمل تكاليف علاج باهظ وأم حمّلت «الأخبار» رسالة لمن يعنيهم الأمر: «سلام تهديكم السلام».

عدد الاثنين ١ شباط ٢٠١٠ | شارك

ألو بيروت ....ألو فلسطين

من رسائل صبابة وحنظلة

أ

فاجأني الصوت الخارج من هاتفي، وخاصة أن الرقم لم يظهر، وبالتالي لا أذكر عدد المرات التي سألت فيها «مين بحكي معي؟» ولكني أعرف أنها جاوزت الثلاث مرات على الأقل. «بتعرفي ياسين ابن أم ياسين إلي عمل العمايل؟» قال الصوت. ثم «طيب بتعرفي عبد ابن أم العبد؟» أجبت وقتها مع إحساس قوي بأني أعرف من يتحدث معي وبصوت ضاحك وصاخب «مين عم بحكي؟». وكان الجواب: «أنا علاء» قلت: «ولك والله كنت حاسة»! بداية المحادثة كنت بزيارة لدى بنت خالي، تركتها بدون أن أقول «باي» وذهبت إلى الشارع لأتحدث هناك مع بيروت! وكانت الساعة قد جاوزت العاشرة مساءً... لا أذكر الكثير من محادثتنا الأولى، أذكر أن أختي مرت بجانبي وأنها أيضاً تحدثت مع بيروت، مع علاء أيضاً. أذكر أنني ظللت مصدومة طوال المحادثة، أذكر أني شعرت بأن الخط كان مراقباً خلال المحادثة من جهة ثالثة، وأن العديد من السيارات مرت بجانبي وأن ركاب تلك السيارات كانوا ينظرون إلي باستغراب كأنهم يسألون: «من هذه التي تتحدث بالهاتف بهذه الساعة المتأخرة؟!»، أو «مع من تتحدث يا ترى؟». وكنت أجيبهم بعيوني: لو كنتم تعلمون. هناك كثير لأذكره، الكثير الذي حُفظ في قلبي ورأسي لأحمله معي تذكاراً لبداية التواصل بين هنا وهناك. «ألو بيروت» لم تكن جملة لمرة واحدة لقد عاد وتكرر الموضوع، كلما تكرر الاتصال، وفي كل مرة يتجدد العهد على أن نوصل بين هنا وهناك، بين نحن و .. نحن، أن نتواصل مع ذاتنا. استمرت محادثتنا الأولى مدة نصف ساعة قضيت معظمها مصدومة! أما المحادثات التي تلتها فقد تنوعت وتنوعت أوقاتها. أما حديثنا فكان كحديث أي صديقين يخططان لحفلة عيد ميلاد أو سهرة تجمع الشلة كلها في مقهى يقع على بعد تقاطع شارعين. الجليل ـ أنهار حجازي

ألو فلسطين

ارتجفت يميني وأنا أسحب البطاقة من الهاتف العمومي. فكرت للحظة «لمَ لا أحاول الاتصال؟». حتى المحاولة مرعبة. ماذا لو أُلقي القبض عليّ بتهمة التخابر مع العدو؟ والعدو هنا هو أنت يا صديقتي. لا أعرف كيف ارتسمت كل هذه الحدود والخيوط العنكبوتية في أدمغة البشر حتى تصبحي يا ابنة الجليل عدواً لقاطن بيروت. منذ أشهر التقينا. لا لم نلتقِ. كتبنا هنا على صفحات الجريدة. كنت أول الوافدين من فلسطين. ولحق بك آخرون من غزة والأردن. هاتفناهم وهاتفونا. أما أنت فممنوعة عنا. لأنك موجودة في فلسطين. وفلسطين محتلة من عدو. فُصنفت يا صديقتي في خانة العدو. المهم أني خرجت من الغرفة الزجاجية. وسرت عائداً إلى المنزل محاولاً الوصول قبل أن تغفو الوالدة. وعدتها بسهرة منذ أسابيع ولكني أركض كل ليلة كي أصل قبل أن تغفو. ولكنها تغفو وتصحو بابتسامة لاعتذارتي في الصباح. مع أنها مجرد تبريرات مملة. وفجأة رأيت صديقي من أيام الدراسة. سلام وكلام وذكريات. ثم حديث عن زملاء آخرين. سليم في مكتبته. إحسان في دبي، هاني في كندا، أما أحمد فقد فضل صحراء قطر على صحراء الكويت. قلت مازحاً «بتعرف لازم نجتمع كلنا بشي سهرة». ونسيت غرام صديق الطفولة بالأشياء الغريبة. مد يده إلى جيبه وأخرج بطاقة مغلفة. وهز يده قائلاً: بإمكاننا عبر هذه البطاقة وبعد تحميل برامج صغيرة على الكومبيوتر الموصول بالإنترنت الاتصال بكل أنحاء العالم، والتكلفة رخيصة، وعندي أرقام للكثيرين». صمتّ للحظات. ثم سألت: وفلسطين؟ أجاب لا أعرف. فلنجرب. وبالفعل صعدنا إلى منزلي، حملنا البرنامج، طلبنا الرقم. ولم يخذلنا الإنترنت المتأثر بمزاجية الطقس، ولأول مرة تمتمت: ألو؟ فلسطين؟ بيروت ـ علاء العلي

عدد الاثنين ١١ كانون الثاني ٢٠١٠ | شارك

http://www.al-akhbar.com/ar/node/172365

الاثنين، 16 نوفمبر، 2009

تطبيع

علاء العلي
بدا عليه الهم أثناء المحاضرة. وحالما انتهت سألته: “جهاد ايش مالك”؟ التفت إليها ليقول بحزن: “مش قادر اصدق يا بيسان، تخيلي سمعت أبو السعيد عم يقول من عبكرة الصبح، لازم نبلش نطبّع”. بدا عليها الذهول وهي تسترجع صورة أبو السعيد، الذي أصيب أثناء الاجتياح الإسرائيلي وهو يدافع عن بيروت مع الفدائيين. وتذكرته في الشتاء الماضي وهو يجول على أهالي المخيم: “عنا بكرا يا جماعة اعتصام علشان كل فلسطين، لأنه إذا قلنا علشان غزة بيقولوا انتو حماس، وإذا قلنا علشان الضفة بيقولوا فتح. بعدين أهلنا 48 مش تاركينهم العكاريت بحالهم”. تذكر ذلك النهار جيداً حين خرج أهالي المخيم. لم يكترثوا لغزارة الأمطار. وقف قادة الفصائل المختلفة جنباً إلى جنب ليستمعوا إلى أحد وجهاء المخيم. وعلا التصفيق حين قال: “فلنحافظ على دماء الشهداء، كل الشهداء، من أبو علي مصطفى إلى أحمد ياسين وحتى ياسر عرفات”. كان يوماً وطنياً عمل أبو السعيد وآخرون لإنجاحه. كاد الدمع يفرّ من عينيها وهي تقول: “بركي الزلمة عم يمزح! مش معقول يكون وصل الإحباط فينا لهون”. ذكّرها بمدى جدية الرجل وكيف نعت الصحافي الأجنبي بالحمار، لكونه قد حاول إقناعه بأن إسرائيل أمر واقع. في نهاية الدراسة أصرّت على الذهاب معه إلى المخيم، والتحدث إلى صاحب الفرن. وبالفعل، دخلا عليه، وكان منهمكاً في صناعة الحلويات. استغرب الإرباك البادي على وجهيهما: “أيش يا ولاد؟ الحجة أم علي بها ايشي؟”، سأل. فأجابته بيسان: “لا يا عمي الحجة بخير، بس مرقنا نسلم عليك”. لم يقتنع بالإجابة. فتدخّل جهاد: “عمي أبو السعيد سمعتك الصبح بتقول لمحمد لازم نبلش نطبّع؟ عم تمزح مش هيك؟”. انفجر أبو السعيد بالضحك: “لأ، ودم الشهدا ما كنتش عم امزح”. فتدخلت بيسان: “بس معقول يعني نطبّع؟ ما أنت عارف هدول بدهمش سلام؟! ودم الشهدا يا أبو سعيد بيروح هيك”. علا الاحمرار وجه جهاد، وأبو السعيد يكمل كلامه: “ما أنا علشان دم الشهدا رح أضلني أطبّع؟ علشان نضلنا نعمل كعك العيد زي ما كنا نعملوا بفلسطي”. ثم نظر ناحية جهاد: “شو ولى عم تقول عم أبو سعيد جن مش هيك؟”. وتوجّه ناحية الطاولة الرخامية، حيث يوجد صدر من معجون التمر، وآخر لعجينة كعك العيد (أي المعمول). فأخذ القليل من العجين ومدّه على راحة يده، ثم وضع عليه القليل من التمر، وتلاعبت أصابعه به حتى أصبح على شكل كرة. تناول بعدها قالباً خشبياً، ووضع فيه العجينة ثم طرقها بالمقلوب على الطاولة، فسقطت على يده قرصاً من الكعك مطبوعاً بالرسم الذي في القالب، ثم مدّ يده بالقرص ناحية الحائرين ضاحكاً، وهو يقول: “ولكوا يا هبل، كنت بقول لمحمد لازم نبلش نطبّع الكعك”. عدد الاثنين ٩ تشرين الثاني ٢٠٠٩

فلسطين لم تكن صحراء سرحان صوّرَها

اختبر ابراهيم سرحان تزوير إسرائيل للصورة السينمائية
خرجت عام 1987 جنازة متواضعة من مخيم شاتيلا لرجل فلسطيني. المشيّعون كانوا مجرد سيدتين، أما الراحل، فمن مواليد يافا عام 1915، واسمه إبراهيم حسن سرحان، السينمائي الفلسطيني الأول شاتيلا ــ علاء العلي
تصوّر الأفلام الدعائية الإسرائيلية قبل نكبة فلسطين وأثناءها هذه الأخيرة باعتبارها بلاداً واسعة فارغة تقريباً إلا من البدو الرحّل، ثم تصوّر المستوطنين اليهود، البيض، الغربيين، وقد شمّروا عن سواعدهم لكي يستصلحوا هذه الأرض الجميلة والمهملة، الأرض التي وعدهم بها كتاب مقدس. في المقابل، ليس هناك من وثائق فلسطينية أو عربية كثيرة مصوّرة عن فلسطين ما قبل النكبة ووصول الإسرائيليين إليها. أما تلك القليلة، الوثائقية، ذات الأهمية البالغة، فقد عُتّم عليها أو أسيء استخدامها، وأكمل الإهمال على الباقي. وسط كل هذا الإهمال توفي عام 1987 المخرج الفلسطيني الأول إبراهيم سرحان، فبدا أن تشييعه من قبل سيدتين فقط هما ابنته وزوجته، طبيعياً، وخصوصاً أن الوقت كان وقت حرب أهلية شرسة. وسرحان وفد إلى السينما من باب المغامرة والحشرية الفردية، وكأعمال كل الرواد، تكتسب لقطاته وأفلامه التسجيلية أهمية كبرى. ففي فيلمه الأول مشاهد نادرة عن فلسطين. الفيلم ببساطة كان مجرد ريبورتاج مصوّر بتقنية تلك الأيام، بالأسود والأبيض طبعاً، صوّر وقائع زيارة الملك عبد العزيز آل سعود إلى فلسطين عام 1935، بكاميرا اشتراها سرحان حينذاك بـ50 جنيهاً فلسطينياً. لكن مغامرة إبراهيم سرحان كانت قد بدأت قبل ذلك بأعوام. يتحدّث ابنه سرحان، الذي التقته “الأخبار” في المخيم، عن عشق والده للتصوير الفوتوغرافي قبل أن يكتشف السينما. يتذكره ويتذكر كيف روى له أنه قرأ بعض الكتب، ثم اشترى الكاميرا ليسجّل زيارة الملك، وجولته مع الحاج أمين الحسيني بين اللد ويافا، بفيلم مدّته 20 دقيقة. وطيلة السنوات العشر اللاحقة، تابع سرحان تسجيل الكثير من اللقطات التوثيقية، إلى أن جاءت زيارة أحمد حلمي باشا عضو الهيئة العربية العليا، فصوّر سرحان فيلماً عن الزيارة في الساعة الثالثة، ما أثار إعجاب الموفد، فأعطاه مبلغ 300 جنيه فلسطيني. المال جعل سرحان يستطرد في أحلامه، وبواسطة هذا المبلغ تمكّن إبراهيم من افتتاح “استديو فلسطين” في يافا، في العقار المقابل للمستشفى الفرنسي. وهناك، صنع بيديه طاولة بدائية للمونتاج والمافيولا. يخبر ابنه كيف كبرت أحلامه، فحاول أن ينتج فيلماً روائياً بعنوان “عاصفة في بيت”، وبما أنه لم يكن يملك المال الكافي، فقد نشر إعلاناً في جريدة، معلناً افتتاح استديو فلسطين، ورغبة الاستديو في استقبال وجوه للسينما، فحصل على 12 ألف رسالة مساندة، في كل منها مبلغ رمزي، ما مكّنه من جمع 2000 جنيه فلسطيني. وانضم إليه شريك هو الصحافي زهير السقا. لكن خلافات “المنتجين” حالت دون إنهاء الفيلم، ليواصل إبراهيم تصوير الأفلام التسجيلية والدعائية حتى عام 1948. خرج سينمائي فلسطين من بلاده مع النكبة ليتنقّل بين الأردن وبيروت.ووفقاً لمقابلة أجراها معه المخرج العراقي الراحل قاسم حول، فإن سرحان صوّر فيلماً في الأردن سنة 1958 بعنوان “صراع في جرش”، وهو مسجّل كأول فيلم روائي أردني. وتعدّ هذه المقابلة المنشورة عام 1976 اليتيمة مع إبراهيم سرحان، إذ اعتُمد عليها مقدمة في الكثير من الكتب التي تناولت السينما الفلسطينية. أما إبراهيم، فقد اكتُفي بذكر أنه عاش في مخيم شاتيلا حتى عام 1976، وهو تاريخ نشر المقابلة، فيما يقال إنه مات في مجزرة صبرا وشاتيلا عام 1982. لكنّ ابنه سرحان يؤكد أن هذه المعلومات خاطئة. فقد بقي إبراهيم سرحان حياً حتى عام 1987، وحالت ظروف الحرب الأهلية اللبنانية دون خروج جنازة تليق حتى برجل عادي، فاقتصرت على زوجة سرحان وابنته. يُظهر التعاطي مع هذا الرجل التاريخي عيباً فاضحاً في توثيق التاريخ الفلسطيني. فقد ذهب البعض في غمرة الإحساس بالعجز واليأس من مصير القضية الفلسطينية إلى وصف تجربة سرحان بالسخيفة والساذجة، فيما الشخصيات المماثلة له تُدرّس كجزء من تاريخ البلاد المختلف، من مصر إلى فرنسا الى إلعالم بأسره، إضافةً إلى أن أحداً من المتشدّقين لم يشاهد أفلام الراحل بالكامل، وهي أفلام بغض النظر عن قيمتها الفنية، فإن قيمتها التاريخية والتسجيلية تفوق بمراحل إخوتها في البلدان العربية الأخرى، لا من ناحية المحتوى وما فيها من أسلوب حياة ولباس وعمارة وحسب، بل من ناحية وجود مادّة سينمائية في فلسطين قبل النكبة، دليلاً إضافياً على الكذبة الإسرائيلية الشهيرة: ليس لهم وجود.ويروي إبراهيم سرحان للعراقي قاسم حول، في المقابلة ذاتها، الطريقة التي اعتمدتها الحركة الصهيونية في صياغة أفلامها الدعائية و«التوثيقية»، إذ عمدت إلى تصوير الأماكن الخالية في البراري، ثم تصوير طفل في إحدى القرى الفقيرة، أو مثلاً كانوا يركزون على تصوير الرعاة وقطعانهم أو بعض الجمال في الأماكن القريبة إلى الصحارى. المهم أن تبدو الأراضي فارغة من الناس، ثم كانوا يصوّرون «الرواد» الشباب، أي المحتلين الأوائل، يقومون، يداً بيد، رجالاً ونساءً، بتشييد مستوطنة في هذه الأراضي الخالية. كل ذلك لاستثارة التعاطف مع هؤلاء «الشجعان»، ولتدعيم الدعاية الصهيونية التي تقوم على فكرة أن فلسطين هي أرض بلا شعب لشعب بلا أرض، أي يهود العالم. كذلك روى أن الحركة الصهيونية ما قبل النكبة حاولت استغلال إمكانات سرحان الفنية، لكنه رفض التعاون معهم. ويعزو سرحان ذلك إلى الوعي الذي بثّته الحركة الوطنية أيامها. لا يخبر سرحان إبراهيم سرحان كيف عاش والده في شاتيلا. لا يخبرنا إن كان كره التصوير أو لا بعد خروجه من فلسطين. كل ما يقوله إنه كان أباً عظيماً. مغامرة بدأهاإبراهيم سرحان لتنطفئ مع نكبة فلسطين. ليعاود مصطفى أبوعلي الكرّة من العدم نفسه، وبالهمة نفسها، حيث قال أثناء سينما الفقدان (بيروت 2008) “لما بلشنا كنا نشحد فيلماً ونستعير كاميرا”، مطلقاً العنان لأكثر من ألف فيلم فلسطيني، تحتاج إلى عملية بحث وتوثيق جديّة. فلربما نجد أرشيفاً صحافياً مواكباً للسينما قبل النكبة، على غرار أرشيف مطبوعتي «الكرمل» و“الأخبار”، اللتين وُجد جزء كبير من أرشيفهما في جامعة برلين الحرة، والمكتبة الوطنية في فرساي عدد الاثنين ٢ تشرين الثاني ٢٠٠٩

فيلم وقائعي

علاء العلي
كثرت الأفلام التي صوّرت في مخيم شاتيلا. أما طريقة تمثيلها وأسلوبها فمبتذليحاول أن يبكيك فيضحك0 لذلك، بحث أهل المخيم عن طريقة لتريحهم من الكاميرات التي ما إن تختفي من أزقتهم حتى تظهر مجدداً. فقرروا إنتاج فيلم خاص بهم، ولن يكن الفيلم روائيا نظرا لارتفاع التكلفة. وبما أن وثائق اللاجئين مهترئة وفقاً للتقرير الذي أعده قاسم ابن خالتي أم قاسم فلا ينفع الفيلم أن يكون وثائقياً أيضاً.لذلك، اعتمد شباب المخيم أحلى شباب والله، أن يكون الفيلم وقائعياً، أي إنه سيعتمد على وقائع بدل الوثائق. هذا الابتكار يتماشى مع طرح المخرج برهان علوية الذي توقع منذ سنوات ظهور سينمات جدية. وبطبيعة الحال سيستضيف الفيلم الأخ الرفيق المناضل أبو الغضب الذي سيتحدث عن «دقة المرحلة والأبعاد الاستراتجية ... و.... أو». ولخلق التوازن، وتأكيداً على الوحدة الوطنية الفلسطينية، سيشارك في الفيلم الأخ الرفيق «أبو ركوة» الذي سيشكر الإخوة اللبنانيين على استضافتهم لشعبنا على الأراضي اللبنانية. في .(ستتكرر كلمة شعبنا 315 مرة مناصفة بين الأخوين الرفيقين). ثم سيتحدث عن حق العمل والتملك ويلعن الأشباح التي تحرم الفلسطينيين من حقوقهم المدنية. ومن المؤكد، وجود شخصية لبنانية تتولى تكرار عبارة «الفلسطيني يا حرام "(شي 500 مرة).وبما أن أهالي المخيم تعودوا على وجود شخصيات دولية تجوب ازقة مخيمهم، فلذلك ستكون هناك شخصية حاضرة للحديث عن حقوق الإنسان وعن مساهمة دولته المادية في مساعدة الفلسطينيين.ولن نتطاول ونسأل لماذا تقيم دولته انفاقات امنية واقتصادية مع ما يسمى اسرائيل. أما الموسيقى التصويرية فالحل موجود طبعاً بأغنية الفنان أحمد قعبور أناديكم.الأغنية رائعة ولم تُستعمل سوى تسعمئة وتسع وتسعين مرة فقط لا غير، ومن الضروري إكمال العدد للألف. أما تاريخ الإنتاج فسيكون للعام ألف وتسعمية وخشبة( أو تنكة)، وذلك لمنع سقوط الفيلم نتيجة تقادم الزمن وتوريطنا في إنتاج فيلم آخر.كما سيتخلل الفيلم بعض المشاهد المألوفة مثل طفل بوجه حزين وفي الخلفية مبنى مهدم، ويمكن استعمال مؤثرات طبيعية، أي تقشير البصل أمام الطفل لنكسب بعض الدموع من عينيه. ولكي نوحي بهامشية أهل المخيم وبطالة أبنائه سنصور مشهداً يكون الشباب فيه يدخنون النراجيل. وإذا لم نجدهم فسنركب المشهد.وسينتهي الفليم بوجه سيدة عجوز وعرضه ببطء مع موسيقى الفيلم. وينتهي بعبارة "أناديكم للدموع " وهي عنوان الفليم .
ملاحظة للمحرر: الرجاء عدم استبدال عبارة قاسم ابن خالتي ام قاسم بعبارة الزميل قاسم. فللصحافة مفاهيمها التي نعرف ولكن لنا تقاليدنا التي نتمسك بها
عدد الاثنين ٢٦ تشرين الأول ٢٠٠٩

الاثنين، 5 أكتوبر، 2009

الأزقة تنتج صورتها وصوتها

الأزقة تنتج صورتها وصوتها

هو استديو للإنتاج الفني والسينمائي، لكن ليس بالمفهوم المتعارف عليه. وربما بسب اختلافه الذي فرضه مولده على هامش المجتمع، يصبح شيئاً فشيئاً متنفساً إبداعياً لحاجات أهل المخيم

علاء العلي 132 شخصاً، شهران من العمل، 20 دولاراً ومعدات مستعارة للصوت والتصوير، والنتيجة فيلم مدته دقيقة واحدة. في الفيلم، لخص أهالي مخيم شاتيلا 60 عاماً من النكبة من خلال تفاصيل حياتهم اليومية. أما الإنتاج؟ فلاستديو المخيمات. الاستديو غير موجود في المفهوم المتعارف عليه. أي إنك إذا قصدت التوجه إلى الاستديو فلن تجد مركزاً ثابتاً أو مقراً أو تركيبة إدارية. فمنعاً لضياع الإبداع في مشاكل بيروقراطية قد تعانيها فيما لو كنت تملك مؤسسة أو شركة، قرر مؤسسو الاستديو عدم إيجاد مركز ثابت لهم. ومع ذلك فإن الاستديو غير الموجود، موجود، وفي المخيمات الفلسطينية كلها. لا بل إنه ساهم حتى الآن في إنتاج أكثر من 20 فيلماً قصيراً خلال السنوات الخمس الماضية، في مختلف المخيمات الفلسطينية. إضافة إلى إصدار ألبومات موسيقى الهيب هوب وتصميم المواقع على الإنترنت. كل مشروع يبدأ من خلال جلسة، يطرح ضمن دائرة ضيقة ثم يناقش لجهة مدى ابتكار فكرته وطريقة التنفيذ. يتوجه بعدها أصحاب الفكرة لتوسيع الدائرة لإشراك أكبر عدد من سكان المخيم المستهدف. فالفيلم سيتحدث عن المجتمع والمساهمة المجتمعية ضرورية، لا بل تعدل التفاصيل وفقاً لملاحظات الأهالي، حتى وصل عدد المشاركين في فيلم «لن أرمش» ومدته 5 دقائق إلى 300 شخص. الفيلم أنتج بداية عام 2006 في مخيم القاسمية، حيث ينحدر السكان هناك من جذور بدوية ويتمسكون بثقافتهم. ولذلك كان الفيلم عبارة عن تطويع للتقنية في خدمة الثقافة المحلية. وهو هدف نريد تعميمه. ويساعد «خبراء» الاستديو بتدريب الراغبين بتطويع التقنية في خدمة الثقافة، والتعايش مع الأوضاع الطارئة. من هنا كان التعايش مع عدوان تموز سهلاً. فلم يتوقف العمل بل تحولت الأولويات. هكذا، ساهم الاستديو بمساعدة النازحين بإعداد تقارير صوتية يومية عن الحرب أرسلت للخارج وبثت في أنحاء العالم عبر الراديو. بنهاية الحرب انطلق العاملون إلى جنوب لبنان حيث عمل مدربون فنيون فلسطينيون على تدريب لبنانيين لإنتاج 6 أفلام خلال أسبوعين. وساهمت حماسة العائدين، إضافة إلى رغبتهم بالحديث عن العدوان وتمسكهم بالمقاومة، في تسريع العمل. والمقاومة هنا لا تعني المقاومة العسكرية من دون ارتباطها بالمقاومة الثقافية والفنية. من هنا، جاءت فكرة الأفلام القصيرة. فبينما تحاول الدعاية التجارية الترويج لسلعة خلال ثوان، بإمكانك أيضاً أن تطرح فكرة في ثوان. والمشروع لا يحمل أي أهداف تجارية، إذ إن الإنتاجات توزع مجاناً، أو تعرض في أماكن عامة حيث أنتجت، إضافة إلى تحميل الإنتاجات عبر شبكة الإنترنت. صحيح أن الأفلام وصلت إلى مهرجانات عالمية، إلا أن هذا ليس هدفاً بحد ذاته. من هنا أيضاً الانتماء إلى الحركة التجريبية التي اتبعت في الاتحاد السوفياتي واليابان وأميركا اللاتينية لتواجه الفن الغربي التجاري ذا الأبعاد العنصرية. هذه الحركة تسعى لطرح الأفكار بطريقة مختلفة. ففيما يمر خبر المساعدات الأجنبية مرور الكرام في الإعلام عادة، رأى العاملون في الاستديو أن هذه المساعدات ليست بريئة. فليس من المعقول لمن يرسل القنابل والصواريخ للعدو أن يرسل المساعدات للضحايا. ولذلك أُنتج فيلم مساعدات للأجنبي (وترجم عنوان الفيلم بالإنكليزية إلى أكاذيب الأجنبي). فلم تعد صورة أطفال مخيم جنين وهم يدوسون على المساعدات الأميركية بعيد تدمير مخيمهم في عام 2002 يتيمة.


الإعتماد على الذات

يستمر عمل مجموعة من الشباب الفلسطيني، إضافة إلى مشاركة لبنانيين من الضواحي، معتمدين على معدات بسيطة صنع بعضها يدوياً. إضافة إلى اعتمادهم على مداخيلهم الشخصية محاولين خلق أسلوب إعلامي جديد في طرح القضايا الاجتماعية والسياسية. وليس من الغريب أن تكون المخيمات الفلسطينية صاحبة هذه المبادرة. فمعظم حركات التغيير الفكرية والثقافية جاءت من الطبقات المعدومة. فهذه الطبقات هي التي تسعى إلى التغيير فيما النخب مرتاحة لاستمرار الوضع القائم.

عدد الاثنين ٥ تشرين الأول ٢٠٠٩ http://www.al-akhbar.com/ar/node/159595

الأربعاء، 23 سبتمبر، 2009

Sabra Gaza -يا صبرا غزة

Sabra Gaza
By Alaa El Ali
Trasnlated by Rose Nakad
I was not here the day it happened. I came to live here after years. But the aroma of coffee, made by those deprived of the drinking, in a certain September, is still wafting in the corners of the place. I go out with the visitor to where it is not possible to see the reach of the street, any more than can be seen from here. Where is Sabra and where is Chatilla? he asks. So I repeat for him a reply I have become accustomed to till the point of tedium. Do you see that black fabric? Over there is a picture of a martyr. That is exactly the dividing line between the two camps. Then he asks about the massacre. So I search my recollection for what I Have stored from the stories I have heard from people. They came from here then they went in the direction of the right, to the maximum. They killed and kidnapped. I summon the pictures of the disappeared, whose names and addresses I recently took part in chronicling. I heard their stories from those whose Waiting has become weary of their waiting - but they are not weary. I was the quickest researcher. I was only documenting a crime the aggressors were active in, here more than any other place. The keepers of effective research approved and consider me active. Jamal was a neighbor to the other Jamal. The two were eighteen years old. And on the 18 September 1982 (the third day of the massacre) was their last departure from the home. Their departure was with their two fathers. They separated at the end of the street. The two fathers survived in a moment of chaos while the two Jamals just disappeared with tens of others. Today they are both recorded among the list of the fortunate missing. Someone remained to tell about them and to remember them. Many here were kidnapped with their families and no one remains to tell or remember. They asked for our weapons, and the Europeans guaranteed us protection. They took the weapons and left, returning after the massacre, again for our protection or for the surviving statistics. I don’t know. Today they ask you about the weapons. Say that the weapons are to protect my people from the replay of the experience. To protect my people from here, where I stand with my guest on the roof of Gaza Hospital in Sabra. Then in the direction south to the picture of the dividing martyr. Then south to the end of the street where more than two thousand martyrs lie, victims of the massacre of Sabra and Chatilla 1982. Then south to the south of Palestine, where began the year – Palestinian south - title, war on Gaza. Here in Sabra the start of a painful path and Gaza and massacre. And over there in Palestine the end of a painful path and Gaza and massacre, never ending. Only the dates change. The names and faces, the victims and executioners, the sympathizers and the silent conspirators – voluntarily or forcibly, or desperately – they do not change. Sabra Sep 2009 رسائل صبابة وحنظلة يا صبرا غزة
لم أكن موجوداً يوم حصلت. جئت للإقامة هنا بعدها بسنوات. ولكن رائحة القهوة التي لم يتسنّ لصانعيها شربها ذات أيلول لا تزال تفوح في زوايا المكان. أخرج مع الضيف إلى حيث لا يمكن أن ترى امتداد الشارع أفضل مما تراه هنا.«وين صبرا ووين شاتيلا؟!» يسأل. فأكرر عليه إجابة اعتدتها إلى حد الملل «أترى ذلك القماش الأسود؟ هناك صورة شهيد. هي بالذات الحدّ الفاصل بين المخيمين». ثم يسأل عن المجزرة، فأبحث في ذاكرتي عما اختزنته من قصص سمعتها من الناس. جاؤوا من هنا ثم اتجهوا إلى أقصى اليمين. قتلوا واختطفوا. أسترجعُ صور المفقودين الذين شاركتُ أخيراً في تسجيل أسمائهم وعناوينهم فسمعت قصصهم من الذين ملّ الانتظار من انتظارهم... وما ملوا. كنت أكثر الباحثين سرعة. فما أنا إلا مدوّن لجريمة نشط فيها الغزاة هنا أكثر من أيّ مكان آخر. استحسن أصحاب البحث عملي واعتبروني نشيطاً.جمال كان جاراً لجمال آخر. الاثنان كانا في الثامنة عشرة من العمر. وفي الثامن عشر من أيلول 1982، أي اليوم الثالث للمجزرة، كان خروجهما الأخير من المنزل. خرجا مع والديهما وافترقا في آخر الشارع. نجا الوالدان في لحظة فوضى، أما الجمالان فقد غابا مع عشرات آخرين. اليوم هما مسجلان ضمن لائحة المفقودين... المحظوظين. فقد بقي من يخبر عنهما ويذكّر بهما. كثر اختطفوا هنا مع عائلاتهم ولم يبق من يخبر عنهم، أو يذكّر بهم. طلبوا منا السلاح، ووعدنا الأوروبيون بالحماية. أخذوا السلاح ورحلوا ثم عادوا بعد المجزرة مجدّداً لحمايتنا، أو لإحصاء الباقين؟ لا أعرف. ويسألونك اليوم عن السلاح. قل السلاح ليحمي شعبي من تكرار التجربة. ليحمي شعبي من هنا، من حيث أقف وضيفي على سطح مستشفى غزة في صبرا. ثم يتجه جنوباً إلى صورة الشهيد الفاصلة، ثم جنوباً إلى آخر الشارع حيث يرقد أكثر من ألفي شهيد هم ضحايا مجزرة صبرا وشاتيلا في عام 1982. ثم جنوباً إلى جنوب فلسطين حيث بدأ هذا العام «جنوبي ــــ فلسطيني» عنوانه الحرب على غزة. هنا في صبرا أول درب الآلام وغزة ومجزرة. وهناك في فلسطين آخر درب الآلام وغزة ومجرزة لا تنتهي.التواريخ وحدها تختلف. أما الأسماء والوجوه، الضحايا والجلادون، المتعاطفون والمتآمرون الصامتون طوعاً أو قهراً، أو يأساً، فلم يتغيّروا.علاء العلي ــ صبرا وشاتيلا عدد الاثنين ١٤ أيلول ٢٠٠٩ http://al-akhbar.com/ar/node/156543

الثلاثاء، 15 سبتمبر، 2009

أم العبد الممثل الشرعي للمخيم

من رسائـل صبـابة وحنظلة
أعلن من هنا من خيمتي التي بنيتها على سطح المنزل. أن المؤتمر السادس لحركة فتح ولجنته المركزية لا يمثلانني من قريب أو بعيد. فبعد مراجعة وتمحيص في الأسماء تبين لي أن اسم خالتي أم العبد ليس من ضمن الأسماء في اللجنة المركزية المنتخبة. كما أعلن بكل صراحة (ووقاحة أيضاً) أن الحكومة المقالة أو المنتخبة والموجودة في قطاع غزة أيضاً لا تعبر عني بشيء. فأم العبد «الله يطول عمرها» ليست من ضمن الوزراء أو حتى المستشارين. كما أعلن أن الفصائل العشرة ــــ ما بعرف بصراحة إذا بعدهم عشرة أو نقصوا أو زادوا ــــ لا تمثلني بشيء. فخالتي وخالتكم أم العبد أكدت أنها لا تنتمي إلى أي منها. كما أعلن باسم خالتي أم العبد أن اليسار الفلسطيني أو ما بقي منه لا يعبر عن تطلعات المخيم، فأم العبد تكره البكاء على الأطلال ولو كان بصوت أم كلثوم. أما بالنسبة للمناضلين السابقين، المثقفين الحاليين، رؤساء جمعيات «الهشتك بشتك» وفقاً لتعبيرها، فهم لا يصلحون لتمثيلنا. فأم العبد تكره الجمعيات ورؤساءها، هي لا تفهم على الإطلاق كيف أصبحوا مناضلين سابقين وفلسطين لم تحرر بعد. ولأن أم العبد لا تستهضم بأي شكل من الأشكال عمل المنظمات الدولية، لأنها «تكرر الدراسات» كما أنها تقيم ورش العمل (أو الهبل وفقاً لتعبيرها) بينما الأجدر بهم أن يؤمنوا فرص عمل. وأعطت مثالاً على ذلك أنهم لم يفتتحوا حتى فرن خبز، وهو مشروع أرباحه مضمونة ويؤمن فرص عمل لشباب المخيم بدل جلوسهم على قهوة «أبو علي». وهي لم تسمع عن أي نشاط بتمويل من هؤلاء يذكر بفلسطين، وبالتالي «فشروا» أن يمثلونا.في عام 2006 زار المفكر الأميركي نعوم تشومسكي مخيم شاتيلا. فتراكض المثقفون والسياسيون «المفترضون» لإخباره عن المخيم وأحواله. ولكنه طلب مجالسة النساء المسنات بناءً على نصيحة صديقه إدوارد سعيد. لأنهن الأكثر عفوية، ويتفوقن علينا نحن الرجال. فنحن إن لم نكذب فسنخفي بعض الحقائق خوفاً على صورة رجولتنا. لن تجد رجلاً يخبرك عن آخر مرة بكى فيها. لذلك أعلن من خيمتي يلي على راس «السطح» أن أم العبد، هي من يمثلني، وأوافق على إعطائها السلطة المطلقة دون أي نقاش.مخيم شاتيلا ــــ علاء العلي ■ ■ ■
هناك أجدر من أم العبد لتمثيل الشتات مع أني لم أحظ بشرف لقائها شخصياً، ولم تتسنّ الفرصة لي للتحاور معها في قضيتنا الستينية، ولم أعرف أيديولوجيتها السياسية، إلا أني بناءً على ما قد خبرتني به العصفورة، قررت أن أوافقك يا صديقي على تنصيب أم العبد ممثلاً شرعياً ووحيداً للمخيم، بل لكل مخيم، لكل الشتات الفلسطيني.خبرتني العصفورة أن أم العبد لاجئة فلسطينية، تقبع تحت أحد سقوف الزينكو في مخيم لا يبعد عن الأرض سوى بضعة كيلومترات، ويبعد عن الوطن قدر ما أثقلت به القضية من ملفات. عندما رشحت أم العبد لهذا المنصب فكرت ملياً قبل أن أضم صوتي لصوتك، فكما تعلم أن الصوت أمانة.. ولكي أصوت على أساس واضح درست فكر أم العبد، كما لا يفعلون عادة عندما يصوتون! من الواضح أنها لا تنتمي لأي تنظيم حزبي أو فصيل سياسي ليس من شأن أغلب أفراده إلا أن يزيدوا من الانقسام الداخلي الأحمق الحاصل الآن، أعتقد أنها ليست مع حل الدولتين، بالتأكيد هي لا تفضل المفاوضات على المقاومة المسلحة، أظنها إن تسلمت منصبها لن تبحث في معاهدات السلام، ولن تهتم بعقد اتفاقيات الصلح، فهي تكره طاولة المفاوضات وتكره المؤتمرات وما يصدر بعدها من سخافات. فأم العبد قد ملت من اللت والعجن بالقضية! أم العبد لا تريد إلا أن تمسح خطوط 48 و67 من على الخريطة بالخرقة التي تربطها بزنار ثوبها، لا تريد سوى أن تسمع أصوات أبناء عبد، بكرها، قد تعالت، لكن دون أن يرتد لها صدى، فإن بقيت بالمخيم سيرتد صدى لهو الأطفال من بين أزقته وإن لعبوا بين البيارات فسيضيع بالمدى صدى صوتهم، أم العبد لا ترغب بأن تشرق الشمس عليها مرة أخرى من بين ثقوب ألواح الزينكو والفراغات التي بينها!! أم العبد لا تريد سوى العودة للوطن. إذاً فإن أم العبد تمثل الفلسطيني الذي يريد أرضه، كل أرضه. وهذا الفلسطيني المقصود معروف ومحدد. هذا هو الأساس الذي رشحت أم العبد بناءً عليه لهذا المنصب، وأنا أجد فيه ما أريد، فأنا مع النهج القائم على فكرة الفلسطيني الذي يريد الأرض كل الأرض. بالتالي، صوتي لأم العبد. أم العبد ترشحت لهذا المنصب دون بيانات انتخابية ودون مؤتمرات غبية! وأنا قرأت فكرها السابق الذكر من هنا من عمان، مع أعمدة بخار الشاي بالنعناع الذي تعده كل صباح، فأفكار أم العبد المبنية على أساس العودة تطير وتنتشر كلما تصاعدت رائحة النعناع بأكواب الشاي! إذاً وبناءً على ما سبق ذكره، لتسلم أم العبد سلطاتها الدستورية ولتباشر أعمالها من الآن، فليس هناك أجدر من أم العبد لكي يمثل الشتات الفلسطيني.عمان ــــ حنين عطا الله عدد الاثنين ٣١ آب ٢٠٠٩