
بكيبورد علاء الزعتر
يقف في الثلاثين من الشهر الحالي شباب "كتيبة خمسة" على مسرح بيروت في عين المريسة ليقدموا عملا فنيا مفعما بالتحدي . والتجربة الجديدة لأصحاب "أهلا فيك أخوي بالمخيمات"، محاولة لرسم طريق العودة الى الوطن عبر عمل فني مفعم بالأبعاد الفكرية المعبرة عن عمق القضايا والهموم التي يرزح تحت وطئتها الهامش/ المخيم.
"طريق واحد مرسوم"، ألبوم يحمل دعوة لتصحيح الطريق الذي مازال عموم المنفيين يختطونه وينتهجونه طوعاً، طريق الوحدة الفلسطينية وتجاوز الانقسام السياسي والالتفات إلى هموم الناس التي نسيها المنقسمون، بكل بساطة طريق نهايتها فلسطين حتما . اما البداية فاحد الاقبية القريبة من مخيم برج البراجنة حيث عمل شباب "الكتيبة" بكد مع بعض الأصدقاء على بناء استديو خاص يلوذون فيه بعيداً عن جشع شركات الانتاج وشروطها. وجمع مبلغ بسيط من مدخول الشباب الشخصي اضافة لمساهمات من بعض الأصدقاء لتجهيز المكان وإنتاج الألبوم. واستعانوا ببعض حرفيي المخيمات ، فحضر ابو ماهر من صبرا لتثبيت الالواح العازلة للصوت متنازلا عن نصف الأجرة ،"كمساهمة لشباب يعملون من اجل القضية". و رشاد استغنى عن عطلته الأسبوعية مرتين للمساعدة في اعمال الدهان . صاحب هذه الأسطر ساهم في تمديد شبكة الكهرباء، واستغرق العمل وقتا مضاعفا نظرا لاقتصار الأجرة على بضعة فنجانين من القهوة وصل معظمها باردا. اما سبب هذه الخطوة في الاعتماد على الذات: "انتو غنيتوا " وهو عنوان اغنية تتحدث عن شجع شركات الإنتاج، وفي مقطع لـ"مولوتوف" يقول: (بياض، بياض بكل مكان والعقل واحد والقلب فايض والشكل متل ما علمونا إنو إنسان، بياض، بياض بعز النوم بياض بالحمام، بياض بكل أفكارك بياض بالأفلام، مش من أميركا من أوروبا وشو الفرق والبياض موحد لعقل واحد لسلام مبيّض ببياض!).
ومن برج البراجنة تتجه انغام الكتيبة شمالا الى مخيم نهر البارد الذي شهد حربا ضروسا لم يكن لأربعين ألف فلسطيني ناقة فيها ولا جمل، فحمل اسم المخيم عنوان اغنية يرتفع صوت "جزار" في احدى مقاطعها (معركة وجود غير مشروع لجنود دنست وحل الأرض , كان الضرب بالطول وبالعرض,ذخيرة امريكية وصلت عوقتها , قصف تكسير بيوت سرقت اساسات والقعدة بركسات الوضع مزري عم باخود حذري, من حصار والمرقة بتصاريح. الله يعين المرأة يلي ابن عم بيصيح , بركس عم بييسيح,بالشتا جليد ,جسدي منهك مش عارف كيف استريح عم بنازع بس بعدني صامد متلي متل نهر البارد).
من شمال لبنان تنتقل الرحلة جنوبا الى جنوب فلسطين هذه المرة والى قطاع غزة تحديدا . "تشرق صواريخ" اغنية تتحدى الحصار وتدعو لكسره عبر المزيد من الصمود والمقاومة وتقول في إحدى مقاطعها بصوت "أسلوب" ( كل عمرو الشجر بيطلع من بين جذور الاحتلال يلي عم تنبنا,بتصحا بيوم حصار تلاقي أولاد بيلموا بأشلاء جنود. شوهوه وتركوه جوعان. يتوجع وهوي ساكت. تطلع صرختوا مع كل صاروخ قسام. بين الأنفاق يدور بغزة) . من غزة جنوبا إلى عمق فلسطين وشمالها حيث يبنى جدار الفصل العنصري. والدعوة الى هدمه هي واحدة من دعوات كثيرة اغتنت فيها فضاءات الألبوم، فساهمت الكتيبة بـ "حملة هدم الجدار" عبر أغنية حملت نفس الأسم ونسمع بصوت "شاهد عيان". (بإسم فلسطين باختصار، هالجدار الإسنمت منكسرو لحجار، الحديد مندوبو صواريخ الليل منولعو نهار،الشهيد منرجعو عالدار عنفس المسار، بإسمو كتائب ليعيش البلد لإنتفاضة تالتة، غزة ورام الله والقدس لساتها ثابتة)
وعما يسمى المجتمع الدولي المتمثل بالأمم المتحدة، تشتد قسوة الكلمات في اغنية "نكهة صهيونية" التي تنعي المنظمة الدولية والوكالة المتفرعة منها، وكالة الغوث "الأونروا"، فنسمع صوت فتى الكتيبة الأسود عبد الجبار خمسة متسائلا: (لمين الإغاثة؟ إغاثة الاستعمار, إغاثة الاحتلال إغاثة البوارج. قصف مستمر من كل الجهات,هبات مهدئات أبدا ما بتعالج, بناء حجر الأساس لدعم الطابور الخامس. طرد التلاميذ مطلوب يكون في نظام تعليمي فاشل بالمدارس. هيك بتيجي الاوامر).
هكذا تبدو تجربة الكتيبة اكثر نضجا اذا تقترب اكثر من جوهر المشاكل التي عالجتها سابقا في الألبوم الأول . ولا يتوقف التطور عند عمق المعاني وقسوة الكلمات . فالموسيقى ايضا باتت اكثر شرقية بدخول آلة العود.
إن ما يميز تجربة "الكتيبة" أولا وأخيرا تمردها الواعي على شروط المنتجين أو الداعمين الغربيين، وتنكرها للثقافة والنمط الاستهلاكي الرائج في التعبير والتفكير. خلاصة تمرد كهذا كانت عملا فنيا استعلى بكبرياء على القواعد التجارية في الانتاج والتسويق. تجربة وجدت لها امتدادا على الساحة العربية عموما واللبنانية خصوصا, من خلال اعمال "الكتيبة" او فرقة "الطفار" البعلبكية التي ولدت من رحم الكتيبة، فعبر جعفر و ناصر الدين عن هواجس جمهور لبناني يعاني هو الأخر من حرمان شبيه لما تعانيه المخيمات الفلسطينية. فمن يدخل استديو الكتيبة قد يلتقي ب"أقصى" القادم من حي السلم او "فدائي" من مخيم شاتيلا , وربما هشام القادم من عين الحلوة. فهل من مشاريع جديدة ؟؟ المجالس بالأمانات.
مفكرون وقادة
الراب في الأصل شعر وإيقاع. فن أفريقي انتشر في أرجاء المعمورة. مشاركة الشاعر عبد الرحمن جاسم مرة أخرى في هذا الألبوم كانت بشذراته الشعرية كالظل تلازم الموسيقى. و يحضر جورج حبش وصلاح خلف (أبو إياد) والشيخ أحمد ياسين ، تطل أطيافهم في فضاء الألبوم لتلقي بوصايا تشع وترشد كلها للطريق الواحد المرسوم للخلاص من ليل الانتظار الطويل. وللمفكر اللبناني اليساري مهدي عامل كلمته، إذ يطل بصوته متماهيا مع موسيقى خاصة "لكل ناشط في الحياة ان يأخذ موقعا او يحدد موقفا . أهو مع الثورة او ضدها؟ بالكلمة الفاعلة واليد المبدعة.... فلتتوضح كل المواقف ولتتحدد كل المواقع ولتكن المجابهة في الضوء"












